الجمعة، 15 يوليو 2011

مسالك العلماء في تفسير قوله تعالى (لأحتنكن ذريته)

مسالك العلماء في تفسير قوله تعالى (لأحتنكن ذريته)

اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: لأحتنكن ذريته على خمسة مسالك:

المسلك الأول: مسلك من اختار المعنى الأول
وسلك هذا المسلك من العلماء: الخليل بن أحمد،والبخاري، وابن فارس، وابن سيده، والبيضاوي
ونسبه النحاس لأكثر أهل اللغة، ورجحه الشوكاني
قال الخليل بن أحمد (ت: 170هـ ) (واحتَنَكتُ الرجلَ: أخذتُ مالَه ومنه قوله تعالى: لأَحَتنِكَنَّ ذُرِّيَتَه إلا قليلاً).
قال البخاري (ت:256هـ) : (( لأَحْتَنِكَنَّ ) لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلاَنٌ مَا عِنْدَ فُلاَنٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقْصَاهُ).
قال ابن فارس (ت:395هـ) : (ويقال احتنك الجرادُ الأرضَ، إذا أتى على نبْتها؛ وذلك قياس صحيح، لأنه يأكل فيبلغ حنكَه.
ومن المحمول عليه استئصال الشيء، وهو احتناكه، ومنه في كتاب الله تعالى: لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلاَّ قَلِيلاً أي أُغوِيهم كلَّهم، كما يُستأْصَل الشيءُ إلا قليلا).
قال ابن سيده الأندلسي (ت: 458هـ) : (واحْتَنَكَ الجرادُ الأرضَ، أتى على نبتها، وقوله تعالى: (لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه) مأخوذ من هذا.
واحتَنكَ الرجلَ، أخذ مالَه كأنه أكلة بالحَنَكِ).

قال البيضاوي: (ت: 685هـ): ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً أي لأستأصلنهم بالإغواء إلا قليلاً لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً ، مأخوذ من الحنك).


المسلك الثاني: مسلك من اختار المعنى الثاني، فقال المراد: لأقودنهم إلى حيث أشاء كما تقاد الدابة التي يحتنكها صاحبها أي: يجعل لها حبلاً يديره من تحت حنكها فيقودها به.

وممن سلك هذا المسلك: ابن عطية، ومحمد الأمين الشنقيطي، وابن عاشور

قال ابن عطية: (ت: 542هـ) : ( وقوله لأحتنكن معناه : لأميلن ولأجرن ، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة ، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد ، وألسنة تحتنك المال ، أي تجتره ، ومنه قول الشاعر :
تشكو إليك سنة قد أجحفت
جهداً إلى جهد بنا فأضعفت
واحتنكت أموالنا وجلفت
ومن هذا الشعر ، قال الطبري لأحتنكن معناه : لاستأصلن ، وعبر ابن عباس في ذلك بـ(لأستولين)).
قلت: (إدراج ابن عطية شاهد المعنى الأول في المعنى الثاني فيه بعد ظاهر، وقد تبعه على ذلك القرطبي)

قال محمد الأمين الشنقيطي (ت:1393هـ) : (الذي يظهر لي في معنى الآية - أن المراد بقوله لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي لأقودنهم إلى ما أشاء، من قول العرب : احتنكت الفرس : إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده حيث شئت).
قال ابن عاشور (ت:1393هـ) : (والاحتناك : وضع الراكب اللجامَ في حَنَك الفرس ليركَبه ويَسيّره ، فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفَرس على حب ما يريد راكبه).

المسلك الثالث: مسلك من ذكر المعنيين ولم يرجح أحدهما على الآخر
وهو ما فعله: يونس بن حبيب، وابن السكيت،وابن قتيبة، والنحاس، وأبو الليث السمرقندي، والراغب الأصفهاني، والبغوي، وابن الجوزي، والرازي، وأبو حيان، وابن الهائم، والفيروزآبادي وغيرهم
سبق نقل كلام ابن حبيب.
قال ابن السِّكِّيتِ (ت: 244هـ ): (الحَنْكُ مصدر حَنَكَ الدَّابَّةَ يَحْنِكُها حَنْكَا، إذا شدَّ في حِنْكِها الأسفلِ حَبْلاً يقودها به، و(قد احتنكَ دابَّتَه)، مثلُ (حنَكَها).
ويقال: قد احتنكَ الجرادُ الأرضَ إذا أتى على نبتها.
وقول الله جل ذكره لأحتنكن ذريته إلا قليلا مأخوذ من أحد هذين)
قال ابن قتيبة (ت:276هـ) : ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لأَستأصلنَّهم. يقال: احْتَنَكَ الجرادُ ما على الأرض كلَّه؛ إذا أكله كلَّه. واحْتَنكَ فلانٌ ما عند فلان من العلم: إذا استقصاه.
ويقال: هو من حَنَكَ دابَّتَهُ يَحْنُكُها حَنْكًا: إذا شد في حَنَكِها الأسفل حبلا يقودها به. أي لأَقُودَنَّهم كيف شئتُ).
قال أبو جعفر النحاس (ت:338هـ) : (أكثر أهل اللغة على أن المعنى لأستولين عليهم ولأستأصلنهم من قولهم احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله.
وقيل: هو من قولهم حنك الدابة يحنكها به إذا ربط حبلا في حنكها الأسفل وساقها حكى ذلك ابن السكيت، وحكى أيضا احتنك دابته مثل حنك فيكون المعنى: لأسوقنهم كيف شئت).

قال أبو الليث السمرقندي (ت:375) : ( لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ ، أي لأستزلنَّ ذريته . يقول : أطلب زلتهم؛ وقال القتبي : لاستأصلنهم ، يقال : احتنك الجراد ما على الأرض ، إذا أكله كله؛
ويقال : هو من حنك الدابة يحنكها حنكاً ، إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به ، أي لأقودنهم حيث شئت).
قلت: (أحتنك، بمعنى أستزل، غريب، ولا أعلم له شاهداً في لغة العرب، فلعله من باب تفسير اللفظ بلازم معناه، وهو مسلك من مسالك التفسير، كما قال بعضهم: (لأحتنكن) أي لأضلنَّ، لأن مؤدَّى احتناكه لهم إضلالهم وإغواؤهم).
قال البغوي (ت:516هـ) : (لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي: لأستأصلنهم بالإضلال يقال: احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله.
وقيل: هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها: إذا شدَّ في حنكها الأسفل حبلا يقودها أي: لأقودنَّهم كيف شئت.
وقيل: لأستولين عليهم بالإغواء إِلا قَلِيلا يعني المعصومين الذين استثناهم الله في قوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)
قلت: (ذكر المعنيين، وعد تفسير ابن عباس قولاً ثالثاً).
قال ابن الجوزي (ت:597هـ): (قوله تعالى : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ فيه ثلاثة أقوال .
أحدها : لأَستولِيَنَّ عليهم ، قاله ابن عباس ، والفراء .
والثاني : لأُضِلَّنَّهم ، قاله ابن زيد .
والثالث : لأَستأصلنَّهم؛ يقال : احْتَنَكَ الجرادُ ما على الأرض : إِذا أكله؛ واحْتَنَكَ فلانٌ ما عند فلان من العلم : إِذا استقصاه ، فالمعنى : لأَقودنَّهم كيف شئتُ ، هذا قول ابن قتيبة).
قلت: (سبق نقل كلام ابن قتيبة، وليس كما ذكره ابن الجوزي ، وقد خلط ابن الجوزي بين المعنيين في القول الثالث خلطاً عجيباً، وسيأتي الكلام على أثر ابن زيد بإذن الله تعالى).
قال الفخر الرازي : (ت: 606هـ): (في الاحتناك قولان ، أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية .
والثاني : أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به.
وقال أبو مسلم : الاحتناك افتعالٌ من الحَنْكِ كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه .
فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء .
وعلى القول الثاني: لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها).
قلت: (قوله: (لأستأصلنهم بالإغواء) هذه عبارة الواحدي، وهي جمع بين التفسير باللفظ وبلازم المعنى).
قال أبو حيان (ت:754هـ) : (حنك الدابة واحتنكها : جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به ، واحتنك الجراد الأرض أكلت نباتها .
قال :
نشكوا إليك سنة قد أجحفت
جهداً إلى جهد بنا فأضعفت
واحتنكت أموالنا وجلفت
ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم : أحنك الشاتين أي آكلَهما).



المسلك الرابع: مسلك من جمع بين الأقوال
وهو صنيع: أبي عبيدة، والأخفش، وابن جرير ، والواحدي
قال أبو عبيدة (ت:210هـ): ((لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتِهُ إِلاَّ قَلِيلاً) مجازه: لأستميلنّهم ولأستأصلنهم، يقال: احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره أخذه كله واستقصاه
قال:
نشكو إليك سَنة قد اجحفت
جهداً إلى جَهدٍ بنا فأَضعفتْ
واحتنكتْ أموالنا وجلفّتْ).
قال الأخفش (ت:215 هـ) : (لأحتنكن ذريته قال: لأستأصلنهم ولأستميلنهم.
واحتنك فلان ما عند فلان أي أخذه كله).
قال ابن جرير (ت:310هـ): (( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) يقول: لأستولين عليهم، ولأستأصلنهم، ولأستميلنهم يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم أو غير ذلك؛ ومنه قول الشاعر:
نَشْكُو إِلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ
جَهْدًا إلى جَهْدٍ بنا فأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوَالَنا وجَلَّفَتْ
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل).
ثم ذكر أثر ابن عباس ومجاهد وابن زيد ثم قال: (وهذه الألفاظ وإن اختلفت فإنها متقاربات المعنى، لأن الاستيلاء والاحتواء بمعنى واحد، وإذا استولى عليهم فقد أضلهم).
قلت: (هذا مسلك من مسالك الجمع بين الأقوال، باعتبار مؤداها وما تؤول إليه).

قال الواحدي (ت:468هـ) : (لأَحتنكنَّ ذريته لأستأصلنَّهم بالإغواء ولأستولينَّ عليهم)

المسلك الخامس: مسلك من فسر الآية بلازم معناها
فقال: لأضلنهم، ولأغوينهم ، ولأستزلنهم
كما فعل ذلك ابن زيد، وأبو الليث السمرقندي.
قال ابن جرير (ت:310هـ) : (حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا قال: لأضلنهم).
قال ابن عطية (ت:542هـ) : (وقال ابن زيد: لأضلن ، وهذا بدل اللفظ لا تفسير).

هذا، وقد بالغ الماوردي في تشقيق الأقوال في هذه المسألة حتى أوصلها إلى ستة أقوال، وهي راجعة إلى ماذكرنا، وبعضها خطأ مردود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق